أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

204

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وقوله : عَلَى اللَّهِ متعلق بقوله : فَلْيَتَوَكَّلِ قدّم للاختصاص ولتناسب رؤوس الآي . وقد تقدّم القول في نحو هذه الفاء . وقال أبو البقاء : « ودخلت الفاء لمعنى الشرط ، والمعنى : إن فشلوا فتوكلوا أنتم ، أو إن صعب الأمر فتوكلوا . قوله تعالى : بِبَدْرٍ : متعلق ب نَصَرَكُمُ وفي الباء حينئذ قولان : أظهرهما : أنها ظرفية أي : في بدر كقولك : زيد بمكة أي : في مكة . والثاني : أن يتعلّق بمحذوف على أنها باء المصاحبة ، فمحلّها النصب على الحال أي : مصاحبين لبدر . وبدر اسم ماء بين مكة والمدينة سمّي بذلك لصفائه كالبدر ، وقيل : لاستدارته . وقيل : باسم صاحبه وهو بدر بن كلدة . وقيل : هو اسم واد . وقيل : اسم بئر . والتوكّل : تفعّل : إمّا من الوكالة وهي تفويض الأمر إلى من تثق بحسن تدبيره ومعرفته في التصرف ، وإمّا من وكل أمره إلى فلان إذا عجز عنه . قال ابن فارس : « هو إظهار العجز والاعتماد على غيرك ، يقال : فلان وكلة تكلة أي : عاجز يكل أمره إلى غيره » . والتاء في « تكلة » بدل من الواو كتخمة وتجاه . قوله : وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ في محلّ نصب على الحال من مفعول « نَصَرَكُمُ » . و « أَذِلَّةٌ » جمع ذليل ، وجمع جمع قلة إشعارا بقلتهم مع هذه الصفة ، وفعيل الوصف قياس جمعه فعلاء كظريف وظرفاء وشريف وشرفاء ، إلا أنه ترك في المضعف تخفيفا ، ألا ترى إلى ما يؤدّي إليه قولك ذللاء وخللاء من الثقل من جمع ذليل وخليل . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 124 ] إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ ( 124 ) قوله تعالى : إِذْ تَقُولُ : فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أن هذا الظرف بدل من قوله : « إِذْ هَمَّتْ » . الثاني : أنه منصوب ب « نَصَرَكُمُ » . الثالث : أنه منصوب بإضمار « اذكر » ، وهل هذه الجملة من تمام قصة بدر - وهو قول الجمهور - فلا اعتراض في هذا الكلام ، أو من تمام قصة أحد ، فيكون قوله « وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ » معترضا بين الكلامين ؟ خلاف مشهور . قوله : أَنْ يُمِدَّكُمْ فاعل أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ أي : ألن يكفيكم إمداد ربكم . والهمزة لمّا دخلت على النفي قرّرته على سبيل الإنكار ، وجيء ب « لَنْ » دون « لا » لأنها أبلغ في النفي . وفي مصحف أبيّ : « ألا » ب « لا » دون « لن » كأنه قصد تفسير المعنى . و « بِثَلاثَةِ » متعلق ب « يُمِدَّكُمْ » . وقرأ الحسن البصري : « ثلاثة آلاف » بهاء في الوصل ساكنة . وكذلك « بخمسه آلاف » كأنه أجرى الوصل مجرى الوقف ، وهي ضعيفة لكونها في متضايفين يقتضيان الاتصال . قال ابن عطية : « ووجه هذه القراءة ضعيف ، لأنّ المضاف والمضاف إليه كالشئ الواحد فيقتضيان الاتصال والثاني كمال الأول ، والهاء إنما هي أمارة وقف فيقلق الوقف في موضع إنما هو للاتصال ، لكن جاء نحو هذا في مواضع للعرب ، فمن ذلك ما حكاه الفراء من قولهم : « أكلت لحما شاة » يريدون « لحم شاة » فمطلوا الفتحة حتى نشأت عنها ألف كما قالوا في الوقف : « قالا » يريدون « قال » ، ثم يمطلون الفتحة في القوافي ونحوها من مواضع الرويّة والتثبّت ، ومن ذلك في الشعر قوله :